ابن حبان
52
صحيح ابن حبان ( تحقيق الأرنؤوط )
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَلَا أُخْبِرُكَ بِأَفْضَلِ الْقُرْآنِ » ، أَرَادَ بِهِ : بِأَفْضَلِ الْقُرْآنِ لَكَ ، لَا أَنَّ بَعْضَ الْقُرْآنِ يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ ، لِأَنَّ كَلَامَ اللَّهِ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ تَفَاوُتُ التَّفَاضُلِ ( 1 ) .
--> = أيوب ، عن أبي حاتم الرازي ، عن علي بن عبد الحميد المعني ، به . ويشهد له حديث أبي هريرة عن أبي بن كعب ، الوارد بعد هذا الحديث ، وحديث أبي سعيد بن المعلى الوارد برقم ( 777 ) ، وحديث عبد الله بن جابر عند أحمد 4 / 177 . ( 1 ) هذا الذي انتهى إليه المؤلف هو مذهب الأشعري ، وأبي بكر بن الطيب ، وابن أبي زيد ، والداوودي ، وأبي الحسن القابسي وغير واحد من أهل السنة ، وذهب طوائف من السلف والخلف إلى أن بعض كلام الله أفضل من بعض كما نطقت به النصوص النبوية ، فقد أخبر - صلى الله عليه وسلم - عن الفاتحة أنه لم ينزل في الكتب الثلاثة مثلها ، وأخبر عن سورة الإِخلاص أنها تعدل ثلث القرآن ، وعدلها لثلثه يمنع مساواتها لمقدارها في الحروف ، وجعل آية الكرسي أعظم آية في القرآن ، وقد قال تعالى : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا } فأخبر أنه يأتي بخير منها أو مثلها ، وهذا بيان من الله لكون تلك الآية قد يأتي بمثلها تارة أو خير منها أخرى ، فدل ذلك على أن الآيات تتماثل تارة وتتفاضل أخرى . والقرآن كلام الله ، والكلام يشرف بالمتكلم به سواء كان خبراً أو أمراً ، فالخبر يشرف بشرف المخبر ، وبشرف المخبر عنه ، والأمر يشرف بشرف الآمر ، وبشرف المأمور به ، فالقرآن وإن كان كله مشتركاً ، فإن الله تكلم به ، لكن منه ما أخبر به عن نفسه ، ومنه ما أخبر به عن خلقه ، ومنه ما أمرهم به ، فمنه ما أمرهم فيه بالإيمان ، ونهاهم فيه عن الشرك ، ومنه ما أمرهم فيه بكتابة الدين ، ونهاهم فيه عن الربا ، ومعلوم أن ما أخبر به عن نفسه ك { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أعظم مما أخبر به عن خلقه ك { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ } وما أمر فيه بالإِيمان وما نهى فيه عن الشرك أعظم مما أمر فيه بكتابة الدين ونهى فيه عن الربا . ولشيخ الإِسلام رحمه الله في ترجيح هذا القول وتقويته كتاب أسماه " جواب أهل العلم والإِيمان أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن " وهو مطبوع على حدة ، ومدرج في الفتاوى في المجلد ( 17 ) من ص 5 إلى ص 206 ، وقد أفاد فيه وأجاد ، وذكر فيه من الحجج الواضحات ، والأدلة النيرات ما يثلج الصدر ، ويطمئن الفؤاد كدأبه رحمه الله في أكثر ما يتعرض له من مسائل وبحوث .